بیار بلان وجان بول شانیولو: جذور العنف فی الشرق الأوسط

رمز المدونة : #1651
تاریخ النشر : 01/23/2017 10:50
عدد الزياراة : 337
طبع الارسال الى الأصدقاء
سوف ترسل هذا الموضوع:
بیار بلان وجان بول شانیولو: جذور العنف فی الشرق...
  • Reload التحديث
بزرگ یا کوچک بودن حروف اهمیت ندارد
الإرسال
لا یمکن فی أی حال من الأحوال انتزاع الغارات الأمیرکیة التی قصفت قبل أسابیع مواقع للجیش السوری فی دیر الزور ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومکّن «داعش» من السیطرة على جبل ثردة فی محیط مطار المدینة، من سیاق التواطؤ الأمیرکی السافر مع الإرهابیین من کافة الأطیاف الذین اجتاحوا المنطقة العربیة، بدءاً من مصر مروراً بلیبیا والیمن ولیس انتهاءً بسوریا. ما زالت فضائح إمداد الولایات المتحدة لمیلشیات الدواعش وإسقاط الأسلحة إلیهم فی العراق وسوریا ماثلة فی الأذهان، وما زال الشرق الأوسط یمر فی عدد من المتناقضات العمیقة التی تجعله إحدى أکثر المناطق غیر المستقرة فی العالم: حرب فی سوریا، عنف فی العراق، انتقال مؤلم للسلطة فی مصر، واحتلال إسرائیلی مکثف للأراضی الفلسطینیة، وتوتر یأبى مغادرة لبنان.

 

 

 


لا یمکن فی أی حال من الأحوال انتزاع الغارات الأمیرکیة التی قصفت قبل أسابیع مواقع للجیش السوری فی دیر الزور ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومکّن «داعش» من السیطرة على جبل ثردة فی محیط مطار المدینة، من سیاق التواطؤ الأمیرکی السافر مع الإرهابیین من کافة الأطیاف الذین اجتاحوا المنطقة العربیة، بدءاً من مصر مروراً بلیبیا والیمن ولیس انتهاءً بسوریا.

ما زالت فضائح إمداد الولایات المتحدة لمیلشیات الدواعش وإسقاط الأسلحة إلیهم فی العراق وسوریا ماثلة فی الأذهان، وما زال الشرق الأوسط یمر فی عدد من المتناقضات العمیقة التی تجعله إحدى أکثر المناطق غیر المستقرة فی العالم: حرب فی سوریا، عنف فی العراق، انتقال مؤلم للسلطة فی مصر، واحتلال إسرائیلی مکثف للأراضی الفلسطینیة، وتوتر یأبى مغادرة لبنان.
تلک البلدان تعد أمثلة صارخة على حالة من العنف یتم تصدیرها خارج النطاق الذی تدور فیه. انطلاقاً من عدد من الوثائق الهامة أبرزها مراسلات ومذکرات شخصیات صنعت التاریخ على غرار الدبلوماسی الإنکلیزی السیر مارک سایکس، والقنصل الفرنسی السابق فی بیروت جورج بیکو، وکذلک مراسلات أخرى بین الشریف حسین أمیر الحجاز، والسیر هنری مکماهون الممثل الأعلى لملک بریطانیا فی مصر، فضلاً عن مذکرات الرئیس الفرنسی الراحل شارل دیغول، تأتی النسخة العربیة من کتاب «عنف وسیاسة فی الشرق الأوسط... من سایکس بیکو إلى الربیع العربی» (2014) للفرنسیبن بیار بلان أستاذ العلوم الجیوسیاسیة فی «مرکز بوردو للعلوم السیاسیة»، وجان بول شانیولو أستاذ العلوم السیاسیة الزائر فی جامعات فرنسیة عدة.
الطبعة العربیة الصادرة أخیراً عن «دار روافد للنشر»، تولى نقلها إلى لغة الضاد محمد عبد الفتاح السباعی مراسل صحیفة «لو جورنال دی مانش» الفرنسیة فی القاهرة. ضمن منهج علمی، یستقصی الکاتبان الفرنسیان جذور العنف فی منطقة الشرق الأوسط منذ بواکیر القرن العشرین الأولى حتى «الربیع العربی». یخلص الکتاب الذی قسِّم إلى خمسة فصول، إلى أنّ ثلاث إیدیولوجیات هی المسببة للعنف فی المنطقة: القومیة العربیة (مع التحفظ على هذه المقاربة الإستعماریة)، والصهیونیة، وتیارات الإسلام السیاسی. یرى الکاتبان أنّ جمیع هذه الایدیولوجیات ترفض الآخر وتنکره، ولا تترک له مساحة للحرکة فی الحیاة السیاسیة، فضلاً عن ازدواجیة المجتمع الدولی وکیله بمکیالین، خصوصاً الولایات المتحدة الأمیرکیة التی خرقت کل المواثیق والقوانین والأعراف الدولیة، حین غزت بجحافلها العراق عام ٢٠٠٣، مبررة جریمتها بالأکذوبة الکبرى التی روجت لها تحت مسمّى امتلاک بغداد أسلحة دمار شامل.
یضاف إلى ذلک انحیاز واشنطن الأعمى لإسرائیل، بما لا یجعلها راعیاً فی ما یسمّى عملیة السلام، بل شریکاً رسمیاً فی جرائم الاحتلال وتوسعه الاستیطانی.
فی هذا المبحث، یذهب الکتاب إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط لم تعرف مفهوم الحدود إلا من خلال العثمانیین الذین مارسوا وصایتهم علی مناطق الشام من خلال شبکة إداریة سمِّیت بالولایات. وسرعان ما تم تفعیل المفهوم وترسیخه بواسطة الإنکلیز والفرنسیین الذین أرادوا خدمة مصالحهم فی المنطقة. ربح بعض لاعبی المنطقة من ترسیم الحدود کالصهاینة وأنصار لبنان الکبیر، فیما کان على بعضهم الآخر التنازل عن حلم السیادة (الأکراد) أو عن طموحاتهم الإقلیمیة، وهم مناصرو سوریا الکبرى أو مؤیدو عالم عربی موحد. ذلک الأمر الواقع فرضه العنف والسخریة والاحتقار من قبل لندن وباریس. کما یرصد الکتاب البواکیر الأولیة للعنف أی الاستعمار، مستعرضاً شواهد تبریر مراجعة الحدود بتوسعة المجال الحیوی، سواء فی منطقة الشام ومیل دمشق إقلیمیاً نحو لبنان مع اندلاع الحرب الأهلیة عام 1975 أو منطقة شبه الجزیرة العربیة التی کانت مکاناً للحظة تکوین حدود فی أعقاب الانتفاضة السعودیة الوهابیة التی سمحت بالتدریج فی الفترة من ١٩٠٢ إلى ١٩٣٢بإنشاء أکبر دولة عربیة بعد الجزائر. ویؤکد على أنّ النزاعات الحدودیة ما زالت قائمة هنا وهناک بسبب عدم دقة العلامات الفاصلة، لکنها نزاعات ذات حدة خافتة رغم التوترات الحالیة بین قطر والسعودیة. الغریزة الإقلیمیة لدى الإنکلیز والفرنسیین کانت قویة جداً فی تلک اللحظة من تاریخ الشرق الأوسط. ما کان مجرد رسم إقلیمی أثناء القتال، أضحى حقیقة بعدما وضعت الحرب أوزارها. هکذا، فإن تطبیق سایکس بیکو التی شابها الکذب والخداع، لم یتم کما کان متفقاً علیه بالضبط. تغیرت موازین القوى على الأرض من دون أن نشهد صراعاً مفتوحاً بین الفرنسیین والإنکلیز.
فقد تحملت باریس قانون الأرض الذی فرضته لندن. ویتناول المبحث قیام دولة الکیان الصهوینی والعنف المنظم الذی مارسته ضد الفلسطینیین،‮ ‬ثم الحروب التی خاضتها الدول العربیة ضد إسرائیل،‮ ‬واصفاً السیاسة الإسرائیلیة فی المنطقة مستخدماً مصطلح «القتل السیاسی» ‬الذی کان ولا یزال یهدف إلى إبادة الشعب الفلسطینی بطریقة ممنهجة ومستمرة‮.‬‬‬‬

یصف السیاسة الإسرائیلیة فی المنطقة بـ «القتل السیاسی»

یربط هذا المبحث بین العنف الإقلیمی نتیجة ترسیم الحدود المصطنعة التی أرساها الاستعمار الأنغلوفرنسی، والعنف الایدیولوجی الذی یمثل مأساة الشرق الأوسط. إذ تبنت معظم السلطات إیدیولوجیات حصریة بعیدة عن الآخر الذی غالباً ما یکون منتمیاً إلى أقلیة عرقیة أو دینیة، بحیث یتم التعامل مع ملف التعددیة بأکثر الطرق وحشیة، ویصل الأمر إلى حد إنکار الهویة والتطهیر العرقی. یذهب الکتاب إلى أنّه عادة ما یلتصق العنف الإیدیولوجی بمسمّیات لم تؤسس له. عنف القومیة العربیة ملتصق بالعرب عموماً، وعنف تیارات الإسلام السیاسی ملتصق بالإسلام، وعنف الصهیونیة ملتصق بالیهودیة. وسائل کثیرة تم استخدامها، وما زالت تستخدم من أجل طمس ذلک الاختلاف الذی ینظر إلیه على أنّه خطر تخریبی أکثر من کونه عاملاً قویاً للثراء الثقافی. استشهد الکتاب بسمیر قصیر حول ضلوع السعودیة فی تبنّی تیار الإسلام السیاسی: «سمیر قصیر یذهب للتأکید بوضوح ومن دون لف ودوران: المملکة العربیة السعودیة حققت هی نفسها تقدماً تقنیاً کبیراً، ولکنها تساوت من الأسفل مع ترکیبتها الأکثر انعزالاً وتخلفاً ثقافیاً.
منطقة الحجاز غرب شبه الجزیرة العربیة حیث ولد الإسلام، تلک المنطقة التی ظلت متماشیة مع سوریا لعدة قرون، تساوت من الأسفل مع باقی العالم العربی ووجوه النساء اللواتی قامت بتصدیرهن فی کل مکان هی الأکثر الأدلة بؤساً على ذلک». کما یشیر الکاتبان إلى ذروة تمدد الإسلام السیاسی عقب ما سمّی بالربیع العربی، بخاصة الإخوان المسلمین فی مصر، وحرکة «حماس» فی غزة. إلا أنه یذهب إلى أنّ حزب الله «ظل منخرطاً فی المقاومة ضد إسرائیل التی اضطرت عام ٢٠٠٠ إلى إخلاء جنوب لبنان تحت وطأة ما کبدته إیاها المیلیشیا المسلحة. منذ ذلک الحین، یلعب «حزب الله» فی اتجاهین: اتجاه المقاومة الخارجیة والردع الداخلی، واتجاه حزب سیاسی بوظیفة قیصریة فی تحالف الثامن من آذار ٢٠٠٥. رغم ذلک، فمع اندلاع الثورة السوریة، ومع کون مقاومة إسرائیل هی أولویته رقم ١، أصبح لـ «حزب الله» أجندة أخرى تتمثل فی الانخراط عسکریاً إلى جوار قوات النظام السوری لمحاربة متشددین وتکفیریین». ویخلص المبحث إلى أنّ نزع فتیل العنف الإیدیولوجی والخروج من دائرة العنف الإقلیمی لن یکون إلا بعودة السیاسة بتنوعاتها الدبلوماسیة والاقتصادیة والاجتماعیة بما یمکن أن یمنح باباً للخروج لذلک الخلیط من الإیدیولوجیات الشرسة التی استمرت وقتاً طویلاً.
فی الفصل الرابع، یستعرض الکتاب التطهیر العرقی والتمییز الطائفی والدینی فی الشرق الأوسط، ومظاهر الاضطهاد السلطوی التمییزی الذی وصل إلى حدود التطهیر العرقی والإبادة الجماعیة کما فی حالة المذابح الجماعیة للأرمن، سواء فی المجزرة الأولى حین أبادت الإمبراطوریة العثمانیة حوالى ملیون أرمنی بعد التخطیط بمعرفة حکومة ترکیا الفتاة بین ١٨٩٤ و١٨٩٦. وکان ذلک بأوامر مباشرة من السلطان عبد الحمید الثانی، أو ما لاقاه الدروز والعلویون، والشیعة والمسیحیون من اضطهاد فی مناطق تقع على الأطراف: مناطق جبلیة فی سوریا ولبنان (الدروز والمسیحیون)، مناطق ترع ومستنقعات فی البصرة (شیعة العراق). ویصل المؤلفان إلى أنّ هذه الانقاسامات لیست دینیة بقدر ما هی متوقفة على العلاقة مع السلطة والمکانة الاجتماعیة. حتى عندما حاول الإمام موسى الصدر عام ١٩٧٠ إیجاد ظروف معیشیة أفضل تعید الکرامة للمواطنین الشیعة فی لبنان، فإنّه أطلق على الجمعیة التی أنشأها لهذا الغرض «حرکة المحرومین». وهو إن دل على شیء، فعلى موقف الشیعة فی لبنان کما فی أماکن أخرى. یحاول الکتاب هنا التعرف إلى هویة کل الأنظمة المستبدة التی هی ثمرة ــ وغالباً فاعلة ــ فی العنف، ومحتکرة للأیدیولوجیات العنیفة من أجل تحلیل آلیات تشغیل وعناصر بقاء تلک الأنظمة التی تمارس جمیعها الإنکار السیاسی.
وإذا کان یمکن استثناء إسرائیل من ذلک الإنکار داخل «حدودها»، فإنّ هناک الکثیر مما یمکن قوله عن معاملتها لفلسطینیی الداخل بینما تتآکل الأراضی الفلسطینیة بشکل متزاید وینتهک فیها العدید من الحقوق الأساسیة.
هذا الجانب یحیل إلى معرکة ممتدة منذ قرون ساهم المجتمع الدولی فی الإبقاء علیها داخل مزیج یجمع بین التدخل فی شؤون داخلیة والتهرب اللذین یعدان من الأمراض السیاسیة. انسحاب الدبلوماسیات التی یُفترض أن تؤدی دورها کوسیط سیاسی یسهل الأمور، بل الحضور غیر المتوازن لعدد من اللاعبین الأساسیین على رأسهم الولایات المتحدة، هما وجهان لمشکلة واحدة: غیاب دبلوماسیة عادلة وفعالة قادرة وحدها على إعادة ترتیب الأوراق بشکل إیجابی.
فی المبحث الخامس والأخیر من الکتاب، یذهب المؤلفان إلى تفضیل منظور القانون الدولی واستخدامه کأداة لتوضیح ما یقوم به اللاعبون. علماً بأنه فی هذا العمل، لم تتم معاملة کل الکتل الفرعیة فی الشرق الأوسط بالکثافة نفسها. نجد العلاقة بالقانون الدولی تتسم بالتعقید اللامتناهی، سواء من خلال النسبیة الجوهریة للمعیار أو من خلال عدم تکافؤ القوی الذی لم یتوقف عن زعزعة استقرارها. فی هذه اللعبة الکبرى، کان للولایات المتحدة دائماً الدور القیادی، إلى درجة أننا لا نستطیع تحلیل مدى فاعلیة القانون الدولی فی الشرق الأوسط من دون الأخذ فی الاعتبار نوایاها الاستراتیجیة وعلاقاتها الوثیقة بإسرائیل. فی ظروف کهذه، لیس مستغرباً أن نرى الأمم المتحدة مهمشة واستخدام الاتفاقیات طبقاً للأهواء والمصالح، وطبعاً تجاهل العدالة الجنائیة. یستعرض الکاتبان مظاهر تهمیش الأمم المتحدة کحق الفیتو الذی یستخدم سلاحاً ضد القانون، أو قرار الأمم المتحدة ٢٤٢ (انسحاب القوات الإسرائیلیة من الأراضی التی احتلتها عام 1967) الذی اعتبره الکتاب نصف قرن من المماطلة، أو القرار ٦٧٨ (صدر عام 1990 مجیزاً لمجلس الأمن الدولی استخدام کل الوسائل، بما فیها الحربیة، ضد العراق ما لم یسحب قواته من الکویت) کمثال على ازدواجیة المعاییر والکیل بمکیالین، وصولاً إلى احتقار القانون الدولی من قبل الولایات المتحدة حین غزت العراق عام ٢٠٠٣.

 

مصدر:

http://www.al-akhbar.com/node/265683

“ بیار بلان وجان بول شانیولو: جذور العنف فی الشرق الأوسط ”

التعليقات

bolditalicunderlinelinkunlinkparagraphhr
  • Reload التحديث
بزرگ یا کوچک بودن حروف اهمیت ندارد
الإرسال